غرفة الاسماء وعلم الاحرف
مرحبا بكم ايها الزوار تفضلوا الى موقعنا الجديد نترحب بكم ومنتظر ردودكم فى اى وقت والرد فى اسرع وقت وشكرا لكم

غرفة الاسماء وعلم الاحرف

علاج بالاعشاب وعلاج المس والحسد والصداع والنزيف الشديد واخراج الشياطين ولجلب الرزق
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 عند شعورك بالذنب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الدكتور الروحانى
Admin
avatar

عدد المساهمات : 141
نقاط : 378
السٌّمعَة : 8
تاريخ التسجيل : 22/12/2010
الموقع : http://allkingraohany.forumarabia.com/u1

مُساهمةموضوع: عند شعورك بالذنب   الجمعة مارس 16, 2012 8:24 pm

طوبى للذي غفر إثمه وسترت خطيته طوبى لرجل لا يحسب له الرب خطية، ولا في روحه غش لما سكت بليت عظامي من زفيري اليوم كلهلما سكت بليت عظامي من زفيري اليوم كله
لأن يدك ثقلت علي نهارا وليلا. تحولت رطوبتي إلى يبوسة القيظ. سلاه
أعترف لك بخطيتي ولا أكتم إثمي. قلت: أعترف للرب بذنبي، وأنت رفعت أثام خطيتي. سلاه لهذا يصلي لك كل تقي في وقت يجدك فيه. عند غمارة المياه الكثيرة إياه لا تصيب
أنت ستر لي. من الضيق تحفظني. بترنم النجاة تكتنفني. سلاه أعلمك وأرشدك الطريق التي تسلكها. أنصحك. عيني عليك لا تكونوا كفرس أو بغل بلا فهم. بلجام وزمام زينته يكم لئلا يدنو إليك كثيرة هي نكبات الشرير، أما المتوكل على الرب فالرحمة تحيط به افرحوا بالرب وابتهجوا يا أيها الصديقون، واهتفوا يا جميع المستقيمي القلوب
(تفسير المزمار)

مزمور الصراحة والاعتراف بالخطية:

هو مزمور التوبة الثاني، يدعوه بعض الدارسين مع المزامير (51، 130، 145) مزامير بولسية (تحمل فكرًا يشابه فكر الرسول بولس)، إذ تتحدث بقوة عن عمل الله الخلاصي في حياة الخاطي التائب.

إنه جوهرة الجمال الروحي وتدبير الله الخلاصي. بينما تحتشد الدموع والعبرات والأسى في المزمور السادس، أول مزامير التوبة، نشعر هنا بمدى الراحة التي يتمتع بها الخاطي الذي لا يكتم خطيته، بل يقول: "أعترف للرب بإثمي" [5]. فالخطية الرئيسية هنا ليست العصيان وإنما بالحري الرياء. فمفتاح المزمور هو كلمة "أكتم" أو "لا أكتم" [5]. فعندما رفض المرتل أن يكشف عن إثمه يقول: "أنا سكت فبُليت عظامي، من صراخي طول النهار" [3]. وإذ كشف له الله عن الخطية غُفرت، وطلب المرتل إلا يكون "في فمه غش" [2]، سائلاً أن تحيط به رحمة الله [12] أو حب الله الذي يقيم عهدًا مع شعبه ويود خلاصهم.

صلى داود النبي المزمور الحادي والخمسين بعدما أشار إليه ناثان بأصبعه، قائلاً: "أنت هو الرجل" (2 صم 12: 7)، فكان المزمور اعترافا من داود بخطيته؛ ثم ترنم بهذا المزمور إذ اختبر بركات غفران خطيته الموجهة ضد الله نفسه وضد بتشبع وأوريا الحثي. وكأن هذا المزمور يأتي بعد المزمور 51 بحسب الترتيب التاريخي.

أُستخدم بعد ذلك في العبادة الجماعية كما يظهر من الأية [11]: "كثيرة هي ضربات الخطاة، والذي يتكل على الرب الرحمة تحيط به".

حسب طقس بعض الكنائس البيزنطية يتلو الكاهن هذا المزمور ثلاث مرات كنوع من التطهير الشخصي والأستعداد لخدمة سرّ المعمودية.

أما اليهود ال Ashkenazi الذين من أصل شرق أوربا، فيتلون المزمور كصلاة مسائية في ثاني أيام الأسبوع (الأثنين).

يعتقد Grotius أن المزمور قد وُضع ليُرنم به في يوم الكفارة.

قيل إن هذا المزمور هو المزمور المفضل جدًا لدى القديس أغسطينوس؛ اعتاد أن يُصليه بقلب حزين وعينين باكيتين. عندما اقترب القديس من الرحيل من هذا العالم طلب أن يُكتب هذا المزمور - مع بقية مزامير التوبة - بحروف كبيرة على لافتة ضخمة، وتوضع مقابل سريره، وكان يردد كلمات هذه المزامير بقلب منسحق مع أنفاسه الأخيرة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allkingraohany.forumarabia.com
الدكتور الروحانى
Admin
avatar

عدد المساهمات : 141
نقاط : 378
السٌّمعَة : 8
تاريخ التسجيل : 22/12/2010
الموقع : http://allkingraohany.forumarabia.com/u1

مُساهمةموضوع: عند شعورك بالاكتاب   الجمعة مارس 16, 2012 8:31 pm

عطشت نفسي إلى الله ، إلى الإله الحي. متى أجيء وأتراءى قدام الله

صارت لي دموعي خبزا نهارا وليلا إذ قيل لي كل يوم: أين إلهك

هذه أذكرها فأسكب نفسي علي: لأني كنت أمر مع الجماع، أتدرج معهم إلى بيت الله بصوت ترنم وحمد، جمهور معيد

لماذا أنت منحنية يا نفسي ؟ ولماذا تئنين في ؟ ارتجي الله، لأني بعد أحمده، لأجل خلاص وجهه

يا إلهي، نفسي منحنية في، لذلك أذكرك من أرض الأردن وجبال حرمون، من جبل مصعر

غمر ينادي غمرا عند صوت ميازيبك. كل تياراتك ولججك طمت علي

بالنهار يوصي الرب رحمته، وبالليل تسبيحه عندي صلاة لإله حياتي

أقول لله صخرتي: لماذا نسيتني ؟ لماذا أذهب حزينا من مضايقة العدو

بسحق في عظامي عيرني مضايقي، بقولهم لي كل يوم: أين إلهك

لماذا أنت منحنية يا نفسي ؟ ولماذا تئنين في ؟ ترجي الله، لأني بعد أحمده، خلاص وجهي وإلهي

( تفسير المزمار)

القسم الأول (مز 1 – مز 41) هو تجميع لمزامير تتحدث عن حالة الإنسان: حياته المطوّبة وسقوطه ثم تجديده بعمل الله مخلصه الذي يرد إليه الحياة الفردوسية المتهللة المفقودة. وهو في هذا يماثل سفر التكوين[795]. أما القسم الثاني (مز 42- مز 50) فيماثل سفر الخروج حيث ظهر شعب الله الذي يدخل في ميثاق معه خلال دم الحمل (خر 12)، لهذا جاءت مزامير هذا القسم تتحدث عن "الكنيسة والخلاص".

في الأصحاح الأول من سفر الخروج نرى الشعب مُستعبدًا في أرض غريبة، بعيدًا عن أرض الموعد. كان شعبًا متألمًا، يئن وينوح كلما هوى عليه سوط مُسخِره ومضطهِده. وكانت الضيقة تتزايد مع الزمن وتقسوا جدًا، وصارت الأبواب كأنها قد أُغلقت تمامًا، ولا يوجد منفذ للخلاص. لكن في الوقت المناسب سمع الله أنينهم وصراخهم، وقام يدافع عنهم بيده القوية، مخلصًا إياهم من بيت العبودية، بينما هلك أعداؤهم في البحر الأحمر.

يبدأ هذا القسم بصرخة مُرّة تصدر عن أعماق الضغطة (مز 42 – 49)، لينتهي بإعلان مُلك الله على شعبه المتعبد له حيث يُقال: "ويسود من البحر إلى البحر، ومن النهر إلى أقاصي المسكونة... ويسجد له جميع ملوك الأرض، وكل الأمم تتعبد له" (مز 72). يملك ملك الملوك على شعبه الذين صاروا ملوك الأرض، أي أصحاب سلطان على أجسادهم التي تتقدس فتُحسب أرض الرب. أما طريق المجد الملوكي فهو التوبة، لهذا يُقدم لنا هذا القسم الكثير من المزامير التي تتحدث عن التوبة والاعتراف، أبرزها مزمور التوبة الأمثل 51 (50 LXX) الذي نترنم به في مقدمة كل صلاة أو تسبحة من صلوات السواعي (الأجبية)؛ كما يصلي به الكاهن مع الشعب في أغلب الصلوات الليتورجية (الجماعية).

يكشف هذا القسم عن جمال الكنيسة المتمتعة بالخلاص كعروس مزينة لعريسها الأبرع جمالاً من بني البشر (مز 45 "44").

وقد تجمعت مزامير هذا القسم من مصادر متنوعة:

1. أبناء قورح (مز 42، 44-49)، وهم عائلة من حارسي الأبواب الرسميين ومن الموسيقيين (1 أي 9: 17-19، 26: 19)، ربما كانوا تلاميذ قورح وليس بالضرورة من عائلته[796]. يرى البعض أن كلمة "قورح Core" ربما تعني "أقرع" أو "أصلع"[797]. ويرى القديسان أغسطينوس وجيروم إنها تعادل كلمة "Calvaria"[798] أي "الجمجمة" أو الموضع الذي صُلب فيه السيد المسيح. فأبناء قورح هم أبناء العريس المصلوب، القادرون أن يسحقوا رأس الحية القديمة بالصليب. ويحطمون الموت، وينعموا ببهجة القيامة. بمعنى آخر المسيحيون كأبناء قورح الحقيقي يمارسون الحياة المُقامة التي لا تعرف إلا الشكر والتسبيح لله مخلصهم.

2. آساف (مز 50) الذي أسس فرقة موسيقية أخرى للهيكل. ربما كان لقبًا لقادة الموسيقيين أو لمنظمي الخورس في أيام داود وسليمان (1 أي 16: 4، 5؛ 2 أي 5: 21)[799]. وكلمة "آساف" تعني "محصَّل" أو "يهوه يجمع"، ويرى القديس أغسطينوس أنها تعني "المجمع". فإن كان المجمع اليهودي هو المسئول عن صلب السيد المسيح، لكنه حفظ لنا النبوات التي تشهد للسيد المسيح الذي هو تسبيحنا وفرحنا.

3. داود النبي والملك (مز 51-65، 68-10)، رجل الصلاة والتسبيح؛ يمثل الكنيسة الملكة التي تجد كل لذتها في عريسها الملك، تلتصق به، وتسبحه بلا انقطاع.

4. سليمان (مز 72) يشير إلى الكنيسة الحاملة سلام الله الفائق.

5. توجد ثلاثة مزامير بدون أسماء (مز 66، 67، 71)، تمثل دعوة موجهة نحو كل نفس للتمتع بالعضوية الكنيسة المتهللة، حتى وإن لم يعرفها أحد من البشر بالاسم.



المزمور الثاني والأربعون

عطشي إلى المسيح

المزموران 42، 43:

يعتقد البعض أن المزمورين 42، 43 يمثلان وحدة واحدة. يقول Kidner[800]: [إنه وإن كان يمكن الترنم بكل مزمور منهما على حدة إلا إنهما في الواقع هما جزءان من قصيدة واحدة متماسكة، تعتبر من أروع القصائد الحزينة في سفر المزامير. وللمزمورين عنوان واحد يناسب كليهما؛ كما يضمان ذات المناجاة للنفس: "لماذا أقصيتني؟ ولماذا أسلك كئيبًا إذ يحزنني عدوي؟!" (مز 42: 9؛ مز 43: 2). هذا والقرار الذي يختم جزئيي المزمور (42: 5، 11) يتكرر مرة ثالثة في (مز 43: 5): "لماذا أنتِ حزينة يا نفسي؟ ولماذا تقلقيني؟" فيُعطي للمزمورين وحدة.

يمكننا القول بإن المزمورين هما مرثاة تكشف عن مرارة النفس بسبب الآلام الماضية والحاضرة والمستقبلة، لكنها تُبتلع بعذوبة الرجاء في الله والتمتع بحضرته وكأن الآلام لا تحكم نفسية المرتل بل بالأكثر تزيده شوقًا نحو الله مخلصه.

(42: 1-5) آلام في الماضي – في البرية – شوق نحو الله.

(42: 6-11) آلام في الحاضر – على الجبال – شعور بترك الله.

(43: 1-5) آلام في المستقبل – في هيكل قدسه – رجاء مفرح.

يوضح هذا المزمور أن الأتقياء في القديم كما في عصرنا الحاضر يعانون من الآم لا يُنطق بها.



ظروف المزمور:

1. يرى البعض أن هذا المزمور هو مرثاة لأحد مرنمي الهيكل، نُفى في الشمال بالقرب من مصعد نهر الأردن، ويتوق إلى العودة إلى بيت الله للتمتع بالحضرة الإلهية خلال العبادة الجماعية المقدسة.

2. يقول أنثيموس الأورشليمي: [إن داود النبي وضع هذا المزمور وسلّمه لأحد رؤساء المرتلين من بني قورح لكي يُسبح به بالآت العزف].

3. وُضع كنبوة عن الذين يُسبون ويحرمون من التمتع بخدمة الهيكل وخبرة الحضرة الإلهية، معلنًا اشتياقهم نحو الرجوع إلى وطنهم بعبورهم جداول المياه (نهر الأردن). إنهم بهذا يمثلون البشرية التي سقطت تحت سبي الخطية، وسلمت نفسها للعبودية، فإنها لن تنعم بالحياة الجديدة في الرب ما لم تجتز مياه المعمودية، لتعبر إلى أورشليم العليا، الوطن السماوي.

4. يرى بعض الآباء الأولين أن هذا المزمور هو صوت رجال العهد القديم، الذين كانوا في عطش شديد إلى التلاقي مع المخلص. وكانوا في جهادهم الروحي أشبه بالإيل، يجرون نحو جداول المياه أو نحو ينابيع النبوات، قائلين: "لماذا أنتِ حزينة يا نفسي؟ ترجيّ مجيء الرب، فهو قادم حتمًا، يُحقق لكِ خلاصك ويملأكِ فرحًا وسلامًا".

v جرت نفس الأنبياء في عطش إلى هذا الينبوع، وكما يقول داود: "عطشت نفسي إلى الله الحيّ" [2]؛ وبهذا يستطيع أن يروي ظمأه بغنى معرفة الله، ويمكنه أن يغسل من دماء الحماقة بريها بالجداول الروحية[801].
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allkingraohany.forumarabia.com
الدكتور الروحانى
Admin
avatar

عدد المساهمات : 141
نقاط : 378
السٌّمعَة : 8
تاريخ التسجيل : 22/12/2010
الموقع : http://allkingraohany.forumarabia.com/u1

مُساهمةموضوع: عند شعورك بالقلق   الجمعة مارس 16, 2012 8:38 pm

[b][img][/img]
(المزمور الثالث والعشرون )

الرب راعي فلا يعوزني شيء

في مراع خضر يربضني . إلى مياه الراحة يوردني

يرد نفسي. يهديني إلى سبل البر من أجل اسمه

أيضا إذا سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شرا، لأنك أنت معي. عصاك وعكازك هما يعزيانني

ترتب قدامي مائدة تجاه مضايقي. مسحت بالدهن رأسي. كأسي ريا

إنما خير ورحمة يتبعانني كل أيام حياتي، وأسكن في بيت الرب إلى مدى الأيام

(تفسير المزمار)

تسبحة ثقة:

يُعتبر هذا المزمور من أعذب ما ورد في سفر المزامير، بكونه تسبحة ثقة؛ فالسمة الغالبة عليه هي اليقين والثقة في الله حيث يرتمي المرتل على صدر الله كطفل وقت السِلْم والسكون[461]. في هذا المزمور يختفي بوق الحرب لتظهر قيثارة السلام التي لا تعود تُصْدِر لحنًا حزينًا بل سيمفونية حب مفرحة تتغنى بالله كراعٍ صالح قائد حكيم وصديق شخصي للنفس البشرية.

يحب اليهود الأرثوذكس هذا المزمور، ويستخدمه اليهود المصلحون Jews Reformed للعبادة في المجمع.

وجد آباء الكنيسة الأوائل بهجتهم وسرورهم وتهليلهم فيه، إذ رأوا فيه رعاية الراعي الصالح وعنايتة بقطيعه. حسنًا اختاره القديس أغسطينوس كتسبحة للشهداء[462].

يعتقد كثيرون أن هذا المزمور هو أحد المزامير الأولى التي نظمها داود النبي؛ وتُشكّل عادات حياته الأولى كراعٍ للغنم لتصورات الجزء الأول من المزمور. يُعتَبر داود بحق هو أنسب شخصية تكتب مزمورًا تقويًا رعويًا كهذا[463].

يقول الأسقف وايرز Weiswe: [إن المؤلف اختبر خلال الخدمة الإلهية بركات الشركة مع الله. إذ كان يسترجع حياته الماضية فيراها وقد عبرت تحت رعاية الله اليقظة الساهرة وسط كل أنواع الضيقات. هذه الرعاية الإلهية أو قيادة الراعي تحتضن كل عضو من شعب الله بل وكل الشعب كجماعة. ويمكن لهذه الخدمة الإلهية أن تصير تسبحة حمدٍ لله، حيث قاد الراعي (مز 80: 1) الشعب المتمتع بالعهد وعَبَر به خلال تاريخ الخلاص، خاصة في نصرة الخروج التي انتهت بما ناله الشعب من سلام في أرض الرب أو أرض الموعد (إش 40: 11؛ 63: 14؛ حز 34؛ مز 95: 7؛ 100: 3)].



مزمور ملوكي ليتروجي:

يرى A.L. Merrilأن هذا المزمور يصف طقس تتويج الملك، يتضمن موكبًا يبدأ من الهيكل ويستمر إلى الينبوع، وربما يشمل الطوف حول المدينة المقدسة (مز 48: 13 الخ). ربما يُستخدم هذا المزمور في تجليس الملك (مَن نسل داود) أولاً بكون هذا التجليس ليس إلا رمزًا لرعاية السيد المسيح نفسه (ابن داود) الملك الراعي المحب لشعبه، غير المتسلط. ثانيًا، لكي يتأكد الشعب عند تجليس الملك أن الراعي الحقيقي ليس الملِك ولا القيادات المدنية أو الكنسية إنما الله نفسه الذي يرعى الكل ويهتم بالنفس والجسد معًا.

يرى E. Vogt أن هذا المزمور مرتبط بذبيحة الشكر التي يقدمها زائر للأماكن المقدسة من أجل تمتّعه ببركة معينة، فيكون كمن عَبَر بوادٍ مظلم [4] ليدخل إلى بيت الله[464]. ومع كل عطية نتمتع بها نرى يدّ الله الحانية ورعايته الفائقة لنا، إذ يقودنا في وادي هذا العالم لنسكن معه أبديًا في مَقْدسه السماوي [6].



ارتباطه بالمزمور السابق:

في المزمور السابق نرى صورة رائعة للراعي المتألم، وهنا نجد صورة مبهجة للقطيع المملوء فرحًا وشَبَعًا.

في المزمور السابق نرى الراعي وقد عُلّق على الشجرة لكي يحمل أتعاب شعبه، ويَعْبر بهم خلال صليبه إلى الأمجاد... هنا يتقدم الراعي قطيعه ليدخل بهم في استحقاقات دمه إلى مراعٍ خضراء، هي فردوسه المشبع للروح، يدخل بهم إلى جداول مياه مُنسابة وسط المراعي، هي جداول روحه القدوس المروي للأعماق الداخلية.

ما كان يمكننا أن نتمتع بهذا المزمور "جوهرة المزامير" ما لم نَتقبَّل عمل المسيح الخلاصي وندخل إلى المزمور السابق بكونه "قدس الأقداس". ما كنا نختبر عذوبة رعاية المسيح ما لم نتعرف على دمه المهراق لأجلنا.

لا يمكن للنفس أن تترنم "مسكني في بيت الرب طول الأيام" [6]. ما لم يصرخ المخلص: "إلهي إلهي لماذ تركتني؟!" (مز 22: 1). صار متروكًا حتى كما من الآب وهو واحد معه في الجوهر ومساوٍ له، لا ينفصل عنه لكي نصير نحن غير متروكين منه أبديًا.



مزمور سرائري:

يختفي وراء بساطة هذا المزمور العمقُ مع القوة. لقد وجد المسيحيون الأوائل في هذا المزمور رمزًا لأعمال السيد المسيح القدسية السرائرية. لهذا جعلوه من صُلْب ليتورجيا العماد، ففي ليلة عيد القيامة (الفصح المسيحي) كان المعمدون حديثًا غالبًا يترنمون به بعد نوالهم سرى العماد والميرون، وقد لبسوا الثياب البيضاء وحملوا المشاعل، مُسرعين تجاه مذبح الرب بالفرح يشتركون في المائدة السماوية.

ومازالت كنيستنا تترنم بهذا المزمور يوميًا أثناء تسبحة الساعة الثالثة، تذكارًا لحلول الروح القدس على التلاميذ في تلك الساعة، هذا الروح الذي لا يزال عاملاً في الكنيسة، خاصة في الأسرار الإلهية المقدسة.



الخطوط العريضة للمزمور:

يبرز هذا المزمور الله المخلص من جوانب ثلاثة: المخلص كراعٍ صالح، المخلص كقائد يدخل بنا في سُبًل البرّ، المخلص كصديق يستقبلنا في بيته المقدس كل أيام حياتنا.

1. راعيّ [1-3 ( أ )]: يمثل داود ربنا، المسيّا الراعي، يهوه الراعي. يُستَهلُّ المزمور في سطوره الأولى بإلقاء الضوء على أكثر الصور شعبية في الكتاب المقدس: صورة الراعي (تك 49: 24؛ حز 34: 11-16). في لفظة "راعٍ" يستخِدم داود أكثر التشبيهات الإيضاحية التي تكشف عن التصاق الراعي برعيته، فهو يعيش مع قطيعه، وهو كل شيءٍ بالنسبة للقطيع: يقُوته ويغذيه ويقوده ويوجهه ويعالجه ويحميه. نرى في كل تشبيهات المزمور رقة وعذوبة تخترقان القلوب التي تتلامس مع النعمة الإلهية الحانية. فما هو أعذب وأحلى من تقديم الله كراعٍ؟!

2. قائدي في سبُلُ البر [3 ب-4]: السبُلُ التي يسلكها القطيع إما أن تكون مَعيبة أو تُبرّئ اسم راعيها الصالح. تتحقق وعود الراعي وإرادته المقدسة خلال عنايته وحمايته اللتين يُظهرهما المرتل، وهكذا يُعلِن الله عن ذاته خلالهما.

3. صديقي ومضيفي [5-6]: لقد أُعدَّ وليمة عائلية بذبيحة نفسه لكي يُشبِعني ويهبني فرحًا مبهجًا.



راعيّ:

"الرب راعيّ فلا يُعوزني شيء" [1].

اعتادت الأمم الشرقية أن تدعو حكامها وملوكها الصالحين "رعاة".

عندما يدعو الكتاب المقدس الله "ربنا" و"ملكنا" و "الخالق" الخ... فإننا عادة نشعر بقدرته وقوته ومجده في خوف ورعدة، لكن بتَسْميته "الراعي" نتذوَّق بالحري حلاوته ورقّته وتعزيته لنا وعنايته بنا - وبنفس الشيء تقريبًا عندما ندعوه "أبانا".

إنني بلا شك لا أعتاز شيئًا البتة، إذ هو بنفسه يصير طعامي وشرابي وملبسي وحمايتي وسلامي وكل عوني لحياة كلها بهجة. حضوره الواهب النِعَمْ في قلبي يهبني شبعًا وكفاية.

إذ يقبل الموعظ (طالبُ العماد) الرب راعيًا له، ويصير من قطيعه، يشترك في جسده ودمه المبذولين، فماذا يحتاج بعد ذلك؟ في المسيح يسوع لا يحتاج المؤمن شيئًا، إلا ما يجده في المسيح، أو بمعنى أدق يحتاج إلى السيد المسيح نفسه.

هذه هي أحاسيس القديس امبروسيوس[465] وهو يرى الكنيسة - ليلة عيد القيامة- وقد صارت سماءً، وجموع المعمَّدين حديثًا قد نالوا روح التبنّي، يُسْرِعون مع صفوف المؤمنين بالتسبيح والترنيم نحو المائدة الإلهية، يَنْعمون بما تشتهي الملائكة أن تطَّلِع إليه!

* هناك حِمْلٌ واحد حَمَلْتَه على كتفيك، "طبيعتنا البشرية[466].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص

يتحدث داود النبي بلغة اليقين: "الراب راعيّ"، فقد صار حملاً لكي يَحِلَّ في وسطنا كواحدٍ منا، لكنه يلتزم في حبه اللانهائي برعايتنا، إنْ اتحدنا به وصرنا حُمْلانا لا ذئاب، فهور راعي الخراف لا الذئاب. لقد دفع دمه الثمين ثمنًا لقبولنا رعايته، به نصير رعيته المحبوبة وهو راعينا الساهر علينا.

يحدثنا العلامة أوريجانوس عن عناية الله ورعايته الفائقة، بكونها رعاية دائمة وشاملة ودقيقة تحتضن كل شيء حتى شعور رؤوسنا، بل ومن أجلنا يهتم الله حتى بالخليقة غير العاقلة:

* إنه بعنايته يهتم بنا يوميًا، بصفة عامة وعلى وجه الخصوص، علنًا وخفية، حتى وإن كنا لا ندرك ذلك[467].
* إننا نعترف بعقيدة أكيدة وثابتة، أن الله يعتني بالأشياء القابلة للموت، وليس شيء ما في السماء أو على الأرض ليس تحت عنايته[468].
* العناية الإلهية تضم الخليقة العاقلة أولاً، ولكن نتيجة لذلك فهي تضم الحيوانات غير العاقلة لأجل نفع الإنسان[469].
v ما يحدث في حياة البشر... لا يتم بمحض الصدفة، ولا بطريقة عشوائية، وإنما بهدفٍ سامٍ محسوب، يشمل حتى شعر الرأس (مت 10: 3). هذا الأمر لا يخص القديسين وحدهم كما يظن البعض، وإنما يشمل كل البشر. فإن العناية الإلهية تمتد لتشمل العصفورين اللذين يُباعان بفلس (مت 10: 29)، سواء فهِمْنا مثل العصفورين بطريقة روحية أو رمزية[470].
* تحتضن العناية الإلهية كل شيء حتى أن شعور رؤوسنا محصاة لدى الله[471].
العلامة أوريجانوس



والآن ماذا يقدم لنا الراعي؟

1. "في مراعٍ خُضْرٍ يُرْبِضني"

إنه يقود الموعوظين إلى تلك المراعي التي فيها يتهيأون لنوال المعمودية. وإذ ينالون روح التبني تبقى نفوسهم تغتذي يوميًا من مرّعْي كلمة الله الذي لا يجف. هذا المرعى هو إنجيل خلاصنا الذي يردُّنا إلى الفردوس الحق. يرعى الحمَل هناك، وهو حيوان مُجْتر (يأكل كثيرًا ثم يَجْتَرُّ ما أكله ليُعيد مضغه من جديد).

* المراعي الخضراء هي الفردوس الذي سقطنا منه، فقادنا إليه السيد المسيح، وأقامنا فيه بمياه الراحة، أي المعمودية.
القديس كيرلس الإسكندري

المراعي الخضراء ليست بركات خارجية بل بالحري هي تمتع بِسُكْنَى السيد المسيح فينا، فيهبنا "طبيعة الاكتفاء" في أعماقنا، فلا نكون في عوز. فقد يكون أغنى إنسان في المدينة هو أفقرهم، إذ يفتقد سُكْنَى الراعي في داخله، فيشعر بفراغ داخلي لا يستطيع العالم كله أن يملأه. وربما يكون أفقرُ المؤمنين أغناهم، إذ يكون السيد المسيح نفسه مِلْكًا له، يتقبَّل من يديه الشعور بالكفاية والشبع، بجانب بهجته لمشاركته السيد المسيح في فقره مُتَرجّيًا أن يشاركه أيضًا في مجده.

من أجلنا افتقر السيد المسيح لكي نغتني به؛ وفي فقره لم يشعر قط بالعوز. لقد صنع عجائب ومعجزات لراحة أحبائه لا لمجده الذاتي ولا لراحته الخاصة. بهذه الروح يسلك كل مسيحي ارتبط بمسيحه كعضو في جسده.

مسيحنا يهبنا حياته مَرْعَى لا يجف؛ إذ قد يموت الوالدان الأرضيان في أية لحظة، أما راعينا الصالح فلن يموت!



2. "إلى مياه الراحة يوُرِدني" [2].

إذ ينال القطيع قسطًا وافرًا من الطعام يقتاده الراعي إلى مَجْرَى مائي أو إلى ينبوع يفيض مياها عذبة متجددة ليشرب الكل ويرتوا منها، ويتقوى كيانهم وينتعشوا.

لا يستطيع القطيع أن يذهب إلى ينابيع المياه من تلقاء نفسه إنما يحتاج إلى قيادة الراعي حيث يُورِد قطيعه أو يهديه إلى ما يناسبه.

ما هي مياه الراحة؟ لقد دُعِى الهيكل "بيت قرار" (1 أي 28: 2)، أي "منزل الراحة" أو "مكان الراحة" حيث يستقر فيه تابوت الرب (مز 132: 8، 14). ومن تمَّ فأنَّ ماء الراحة يشير إلى الله الراعي الذي يستضيف المرتل في بيته الخاص به ليُرويه ويهبه راحة.

المعمودية هي بلا شك مياه الراحة، التي ترفع ثقل أحمال الخطية. يقول القديس أغسطينوس: [يوردنا على مياه المعمودية حيث يُقيمنا ويدربنا ويرعانا، هذه التي تهب صحة وقوة لمن سبق له أن فقدهما]. ويقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [إننا في هذه المياه نجد راحتنا[472]، بدفننا مع المسيح في شِبه موته، لكننا لا ندخل إلى الموت بل إلى ظلّه كقول المرتل [3].

v يوجد أيضًا ماء نضعه في جرن نفوسنا، ماء صادر عن الجزَّة المذكورة في سفر القضاة (قض 6: 37)، وماء ورد في سفر المزامير [2]. إنها مياه رسالة السماء.
ليت هذا الماء، أيها الرب يسوع، يأتي إلى نفسي، وإلى جسدي، حتى أنه خلال رطوبة ذلك الغيث (مز 75: 11) تخْضرُّ وديان عقولنا ومراعي قلوبنا. لتأتي عليّ قطراتك فتهبني نعمة وخلودًا.

اغْسل درجات عقلي فلا أخطئ إليك.

اغْسل أعماق نفسي فأستطيع أن أمحو اللعنة، ولا أعاني من لدغة الحية (تك 3: 15) في عَقِبْ نفسي؛ فقد أمرت الذين يتبعونك قائلاً لهم أن يدسوا الحيات والعقارب (لو 10: 19) بأقدام لا يُصيبها ضرٌر. لقد فديْت العالم فَافْدِ نفسَ خاطئٍ واحدٍ[473].

القديس أمبروسيوس

3. "يَهديني إلى سُبُل البِرّ" [3].

في الانتقال من مَرْعّى إلى مَرْعّى يقودني عابرًا بيّ البرية القاحلة الجرداء. إنه يُجنّبُني الشقوق حتى لا تزِلَّ رجلي وينكسر ساقي، أو يقودني بعيدًا عن المناطق المملوءة أشواكًا حتى لا يمسك بالصوف فأرتمي بين الأشواك. حقًا إنه يَهديني إلى السُبُل السليمة بعيدًا عن الحفر والفخاخ. وهو يفعل هذا من أجل اسمه بكوننا نحن جسده.

ما هي سُبُل البِرّ هذه إلا بِرّ المسيح. فإنه يقودني إلى ذاته، بكونه "الطريق". لأدركه كصلاحي الذي يقودني ضد قوة الخطية. يجتذبني إليه بحبال محبته الإلهية، ويهبني شركة طبيعته: القداسة والنقاوة والحب والاتضاع الخ...

مسيحنا هو "سُبُل البر" أو "الطريق" الآمِنُ الذي يحملنا بروحه القدوس إلى حضن الآب دون أن يصيبنا ضرُر أو نعتاز إلى شيء، إنما ننمو في النعمة والحكمة.

v النمو في الحكمة يجده الساعون نحو خلاصهم، فتتحقق رغبتهم خلال فهمهم للحق الذي في الكلمة الإلهية، وسلوكهم في البِرِّ الحقيقي. هذا يقودنا إلى إدراك كيف يكون المسيح هو الطريق.
في هذا الطريق لا نأخذ معنا زادًا ولا مِزْودًا ولا ثوبًا، ولا نحمل عصا، ولا تكون لنا أحذية في أرجلنا (مت 10: 10)؛ فإن الطريق نفسه مُشْبع لكل احتياجات رحلتنا؛ مَنْ يسير فيه لا يعتاز إلى شيء.

مَنْ يسير فيه يلتحف بثوب يليق بدعوة العرس.

وفي هذا الطريق لا يجد الإنسان ما يُزْعِجه، إذ يقول سليمان الحكيم إنه لا يجد "طريق حية على صخرة" (أم 30: 19). وأنا أضيف أنه لا يجد طريقًا لأي حيوان مفترس. لهذا فلا حاجة إلى عصا مادامت لا توجد آثار خليقة معادية.

وبسبب صلابته يُدعى الطريق "صخرة، حتى لا يمكن لأي كائن ضار أن يَلْحق به[474].

العلامة أوريجانوس

v إنه الطريق الصالح الذي يقود الإنسان الصالح إلى الآب الصالح. يقود الإنسان الذي من كنز قلبه الصالح يُخرِج الصالحات، يقود العبد الأمين الصالح.
حقًا إن هذا الطريق ضيق، إذ لا يقدر كثيرون أن يحتملوا السير فيه، لأنهم مُحبّون لأجسادهم[475].

العلامة أوريحانوس

مسيحنا القدوس هو الطريق الذي يقوم على تقديس نفوسنا، ففي كل الكتاب المقدس تظهر القداسة أساسًا للخلاص. مَنْ يحلم أنه قادر على الدخول إلى السماء دون طهارة القلب وبِرّ الحياة وقداسة الجسد يموت في هذا الوهم ليستيقظ فيجد نفسه في خِزْي وعارٍ أبدي[476].



4. "وأيضًا إذ سرت في وادي ظل الموت،

لا أخاف شرًا،

لأنك أنت معي" [3].

نحن ندخل مع المسيح في موته بغير خوف إذ هو معنا...، ونبقى دومًا نختبر الموت مع المسيح بفرح إن مارسنا سرّ التوبة والاعتراف بمفهومه الحق، أي بتسليم النفس بين يدّي الروح القدوس الذي يُبكّتنا ويُتوّبنا ويردنا إلى سُبُل البرّ لأجل إسمه.

ما هو معنَى ظل الموت؟

أ. بما أن الموت هو أسوأ الشرور في نظر الناس، فإن ظله يُشير إلى زمان الحزن العظيم والظلمة والتجارب، أو قد يعني ظلُّ الموت المعاناةَ من الآلام. فالمتاعب – مهما اشتدت – لا توقف مسيرتنا نحو الأبدية، ولا تُرْهِبنا، ولا تحكم رجاءنا بالخوف، مادمنا نتمتع بالمعية مع المخلّص.

هنا يتحدث المرتل بدقة عجيبة، فهو في حالة "سَيْر"، لا يعرف التوقف... إنه دائم التقدم بخطىً ثابتة في الطريق الملوكي، مهما اشتدت الضيقات.

وهو يسير في "وادٍ" وليس على قمم الجبال... فالسير في الوادي هو عبور في هدوء... إذ يشعر المؤمن بنوع من الهدوء والسلام مع الآمان.

يُدعى الوادي "ظل الموت" وليس "موتًا"، إذ بَطَل سلطان الموت.

أخيرًا ما يشغل قلب المؤمن هو معية الله أو الحضرة الإلهية كعربون للقاء مع الله وجهًا لوجه بعد عبوره الحياة الزمنية.

ب. حديث المرتل يشير إلى نوع من التحالف بين المؤمن والموت نفسه، فهو لا يهابه بل يتحالف معه أو يدخل معه في عهد كي يَعْبر خلاله إلى الحياة الأبدية؛ يحسبه طريقًا للتمتع بالحياة الأخرى.

ج. يُشير ظل الموت إلى شركتنا في موت المسيح، إذ نقبله بفرح لنوالنا قوة قيامته ومجدها. بقوله: "إذ سرت" يقصد سلوك المؤمن أو مَسَار حياته كزمن قصير. فالسيد المسيح الراعي الصالح سار بنفسه في ظل الموت في أيام تجسده، ودخل القبر ذاته حتى نقبل أن نسلك معه ذات الطريق.

v لأنه كما سار الرب في وادي ظل الموت حيث وُجِدتْ نفوس الموتي؛ لكنه قام بالجسد بعد ذلك؛ ومن بعد القيامة صعد بها إلى السموات، فمن الجَلّى أن نفوس تلاميذه أيضًا التي لحسابها عانى الرب كل ما عاناه سوف تنطق إلى ذات الموضع غير المنظور الذي عَيَّنه لهم الله. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وهناك تبقى حتى القيامة تنتظر ذلك الحدث. ثم تَسْتَلِم أجسادهم، وتقوم بكليّتها، أي بالجسد، كما قام الرب، وهكذا يأتي التلاميذ إلى حضرة الله[477].
القديس إيريناؤس

v إننا على الدوام نحمل في جسدنا إماتة الرب يسوع وهكذا نحصد الفائدة السريعة: "لكي تظهر حياة يسوع أيضًا في جسدنا المائت" (2 كو 4: 11)[478].
العلامة أوريجانوس



5. "عصاك وعكازك هما يُعزيّانني".

العصا هي للقيادة والدفاع أم العكاز فهي للسند.

يرى القديس أكليمندس الإسكندري أنها عصا التعليم، عصا القوة التي أرسلها الرب من صهيون (مز 110: 2): [هكذا هي عصا قوة التعليم: مقدَّسة ومُلَطّفة ومُخلّصة[479]].

v كيف تِخلّص الحكمة نفس الشاب من الموت؟ ما هي نصيحتها له كي لا يموت؟... تقول: "إنْ ضرَبْتُه بعصا لا يموت" (أم 23: 13)... ويخبرنا العظيم داود أن تلك العصا تُعزّى ولا تَجْرح!
القديس غريغوريوس أسقف نيصص

يتطَلَّع القديس أمبروسيوس[480] إلى الرعي الصالح الذي يقودنا بعصاه، ويسندنا بعكازه، هذين اللذين هما ختم صليبه الذي قبِلناه في سِرّ الميرون مُنْعِمًا علينا بمسحة البارقليط (المعزّي) التي تُرهِب الشياطين...

في الشرق الأوسط عادة ما يكون للراعي الآتي:

أ. ثوب بسيط يستخدمه أثناء الرعاية بخلاف ثوبه الذي يحضر به الحفلات أو عندما يشترك في المجاملات... هذا الثوب يُشير إلى إخلاء السيد المسيح ذاته إذ أخلَى ذاته عن مجده ليحمل طبيعتنا البشرية ويحتلّ مركز العبد حتى يضمنا نحن العبيد فيه ويّدخل بنا إلى شركة مجده.

ب. عصا تُسْتَخدم في حماية القطيع من الحيات والحيوانات المفترسة. وهي تُشير إلى صليب رب المجد الذي به حَطَّم سلطان عدو الخير، وقتل الخطية، وأفسد سلطان الموت.

ج. عكاز يستخدمه للاستناد عليه، وأيضًا ليمسك به خروفًا جامحًا يحاول الهروب بعيدًا عن القطيع... يُشير إلى تأديب المخلص مؤمنيه بعصا الأبوة الحانية الحازمة.

د. آنية زيت، ليُطبّب بها جراحات خرافه، تُشير إلى المسحة المقدسة.

ه. مزمار يعزف عليه ليعلن بهجته بعمله الرعوي، إشارة إلى الفرح في المسيح يسوع، حيث تُسبّحه النفس مع الجسد كما على قيثارة الحب.

و. سكين يستخدمها عند الضرورة، تُشير إلى عمل الروح القدس الذي يفصل الخير عن الشر.

"عصاك وعكازك هما يُعزيّانني": إذ يملك الرب على شعبه بالصليب كما بقضيب مُلْكِه – يثق المرتل كل الثقة في قيادة الراعي الإلهية، حتى إنْ قاده في سُبُل الجبال الخطرة!



6. "تُرتّب قدامي مائدة تجاه مضايقي" [5].

ربما عنى المرتل بأن الله الذي يهتم بنا إذ يرى العدو قائمًا ضدنا يُعِدُّ بنفسه لنا المائدة لكي نأكل في غير عجلة، دون ارتباك أو اضطراب، ويُجْلِسنا لنَنْعم بالقوت دون أن نخاف العدو الذي يَطرِق أبوابنا... إنه يهبنا سلامًا وشبعًا وسط المعركة الروحية بكوننا خاصته المحبوبة!

في حبه لنا يُقدّم لنا المائدة بنفسه بعدما يغسل أرجلنا مع تلاميذه.

الراعي الذي وهب شعبه خروجًا منتصرًا يقدم لهم مائدة أثناء تِرْحالهم ألا وهي المنّ. لقد حاول الأعداء إعاقة الرحلة نحو المسكن الإلهي، لكنهم خزوا حين رأوا نعمة الله المقدمة لشعبه.

في مواضع أخرى في سفر المزامير كثيرًا ما يُقدّم الشكر ويتبعه أو يصحبه وجبة ذبيحية أي مائدة مقدسة (مز 22: 26؛ 63: 6) أو ذبائح (مز 66: 13 الخ؛ 116: 17 الخ). ربما كان مقاومو داود يجولون في الهيكل بينما كان هو يُقدم ذبيحة الشكر لله لذا صار يردد هذه العبارة: "هيأت قدامي مائدة تجاه مضايقي".

يمنحنا ربنا يسوع المسيح مائدة جسده ودمه المبذولين التي تُخزِى الأعداء المقاومين. وكأن وجود عدو الخير لا يُزعجنا ولا يَحرمنا من التمتع بالوليمة المقدسة.

v عندما يقول الإنسان لله: "رتَّبتَ قدامي مائدة"، فإلى أي شيء يُشير سوى هذه المائدة السرائرية الروحية التي رتبها الله لنا؟! رتبها قبالة الأرواح النجسة!
حقًا لأن تلك (مائدة الشياطين) هي اختلاط بالشياطين، أما هذه فهي شركة مع الرب![481].

القديس كيرلس الأورشليمي

* المائدة السرائرية هي جسد الرب الذي يعضدنا قبالة شهواتنا وضد الشيطان. حقًا يرتعد الشيطان من الذين يشتركون في هذه الأسرار بوقار.
القديس كيرلس الإسكندري



7. "مسحت بالدهن رأسي" [5].

المسيح بالدهن يُشير إلى وجود علاقة شخصية بين الراعي وقطيعه، كما يكشف عن حالة فرح وشبع. قديمًا متى كان الناس في حزن كانوا يغطون أنفسهم بالتراب والرماد، وإذا ما فرحوا كانوا يغتسلون ويدهنون أنفسهم بالزيت (أي 2: 12؛ 42: 16؛ صم 12: 20). وكان مسح الضيوف بالزيت علامة تكريم لهم وترحيب بهم؛ وكأن المرتل يقول لراعيه: "إنك تعاملني كضيف نال القبول عند مائدتك التي أَعْدَدْتَها لي". هذا وقد كانت عادة دهن الرأس شائعة (مز 92: 10؛ عا 6: 6؛ مت 6: 17؛ لو 7: 38، 46).

تحقق مسح هرون كرئيس كهنة أثناء الرحلة في البرية حيث كان الله الراعي قائدًا لشعبه نحو أرض الموعد. بهذه المسحة اعلن الله عن عنايته الإلهية، إذ قبل الله الإنسان خلال الكهنوت كنصيبه الخاص، وقدم نفسه نصيبًا للإنسان.

الآن، في سرّ المسحة (الميرون) يُمْسَح كل مؤمن ككاهن عام ليصير في ملكية الله، ويقبل الله ملكًا له ونصيبه الخاص. خلال هذه المسحة يَتقبَّل من يدّي الله روح الفرحة والبهجة بعمل الروح القدس فيه، بإعلان إنجيل المسيح كأخبار سارة عاملة في حياتهم كل يوم، وكتجديد مستمر وتقديس دائم للإنسان الداخلي وكل أعضاء الجسم لحساب ملكوت الله.

v مَسَح بالزيت رأسك على الجبهة، لأن الختم الذي أخذته هو من الله، حفر الختم قداسة الله.
القديس كيرلس الأورشليمي



8. "كأس سكرك، ما أمجدها؟!" [5].

تُستخدم الكؤوس في رعاية الغنم؛ والكأس عادة هو كتلة حجرية منحوتة ومجوفة طولها 30 بوصة وعرضها حوالي 18 بوصة وارتفاعها 18 بوصة. توجد الكؤوس في مواضع كثيرة عند الآباء والينابيع المنتشرة في برية يهوذا. يجرف الرعاة الماء ويسكبونه في الكأس، ولأن الكأس تتعرض للشمس يكرر الراعي سَكْب الماء فيها حتى تفيض، فتبرد الكأس، ثم يدعو خرافه لتشرب دون أن يتوقف عن صب الماء. بهذا يتأكد أن الماء يبقى باردًا، وأنَّ لدى الخراف ما يكفيها ويزيد من الماء. حتى إذا ما تراجعت الخراف لتستريح قليلاً يحتفظ الراعي بالكأس ذات الماء الجاري حتى تشرب خرافه ميأهًا عذبة... ربما هذا ما يعنيه النص العبري "كأسي رَيَّا". ولعل هذه الكأس ذات الماء الدائم التجديد يُشير إلى مراحم راعينا الصالح الجديدة كل صباح وخيراته اليومية (مرا 3: 23؛ مز 68: 19)[482].

الإنسان الذي يتقبَّل مع كل صباح مراحم الله وخيراته الجديدة يفيض شكرًا وتسبيحًا حتى وإنْ كانم لا يملك إلا لقمة يابسة، أما مَنْ لا يتلمّسُ هذه البركات فإنه وإنْ اقتنى العالم كله بين يديه تكون كأسه مشققة لا تضبط ماءً.

جاءت الترجمة السبعينية هكذا: "كأس سكرك، ما أمجدها؟!" الخمر تفرح قلب الإنسان كرمز لحضور روح الله واهب النعم، الذي يحيّي نفس المؤمن ويحركها نحو السماء. لقد انسكب الروح على التلاميذ أو على الكنيسة في يوم الخمسين فملأها وفاض كأسها، وظن اليهود أنهم سَكْرَى (أع 2: 15).

* تُسْكِرنا كأس الرب، إذ تُنْسينا فكرنا (في الزمنيات)، وتقود النفس إلى الحكمة الروحية... إنها تحرر النفس، وتَنزع الغم!... إنها تهب راحة للنفس، إذ تقدم لها فرح الصلاح الإلهي عوض كآبة القلب القائم بسبب ثقل أحمال الخطية[483].
القديس كبريانوس

9. أخيرًا، فإننا ننعم بهذه البركات الإلهية والأسرار المقدسة في بيت الرب، حيث يترنم، قائلاً: "مسكني في بيت الرب مدى الأيام" [6].

هل يحيا الحَمَل في بيت الراعي؟ نعم. حينما وبخ ناثان داود على خطيته قدم له مثلاً خاصًا بالفقير الذي لم يكن لديه سوى نعجة واحدة صغيرة اشتراها ورباها وكبرت معه ومع بنيه جميعًا. كانت تأكل من لقمته، وتشرب من كأسه، وتنام في حضنه، وكانت له كإبنة (2 صم 12: 1-3). هكذا اِقْتنانا الراعي وقَبِلنا كابنته الوحيدة، وأعدَّ لنا في بيته موضعًا، حتى نتعبه أينما ذهب.

يُعلِن المرتل أنه يسكن في بيت الراعي، الكنيسة، أيقونة ملكوته السماوي الأبدي وعربونه. يجد المؤمن بهجته أنْ يتعبَّد ويخدم ويسكن مع ربه المحبوب في الكنيسة وكأنما يسكن معه في سمواته أبديًا. غاية رعايته لنا أن نستقر معه في مَقْدسه الإلهي!



راعيّ الصالح

* أيها الراعي الصالح،

يا من تملك على القلب بالحب لا بالسلطة،

اِحْملني إلى مرعاك فلا اعتاز شيئًا!

* صليبك فتح لي مَرْعَي الفردوس، وحَصَّن أبوابه ضد كل عدو!

جنبك المفتوح أفاض له مياه الراحة،

أغْتسِل بكُليّتِي فأحمل شركة الطبيعة الإلهية بمعموديتك،

وأشرب فتلتهب أحشائي بنار حبك!

* صرتَ لي الطريق، تحملني إلى حِضْن أبيك!

قدمتَ لي صليبك عصا وعكازًا لحمايتي ومعونتي!

تمسحني بدهنك فأتقدس لك بكُليّتِي

* تحملني في ضعفي على مِنكبيك!

تقودني وسط آلام الحياة بنفسك،

وأخيرًا تستقر بي في بيتك السماوي لأُوجد معك أبديًا!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allkingraohany.forumarabia.com
الدكتور الروحانى
Admin
avatar

عدد المساهمات : 141
نقاط : 378
السٌّمعَة : 8
تاريخ التسجيل : 22/12/2010
الموقع : http://allkingraohany.forumarabia.com/u1

مُساهمةموضوع: عند شعورك بالخوف   الجمعة مارس 16, 2012 8:47 pm

[img][/img]
(المزمور السابع والعشرون)

الرب نوري وخلاصي، ممن أخاف ؟ الرب حصن حياتي، ممن أرتعب

عندما اقترب إلي الأشرار ليأكلوا لحمي، مضايقي وأعدائي عثروا وسقطوا

إن نزل علي جيش لا يخاف قلبي. إن قامت علي حرب ففي ذلك أنا مطمئن

واحدة سألت من الرب وإياها ألتمس: أن أسكن في بيت الرب كل أيام حياتي، لكي أنظر إلى جمال الرب، وأتفرس في هيكله

لأنه يخبئني في مظلته في يوم الشر. يسترني بستر خيمته. على صخرة يرفعني

والآن يرتفع رأسي على أعدائي حولي، فأذبح في خيمته ذبائح الهتاف. أغني وأرنم للرب

استمع يارب. بصوتي أدعو فارحمني واستجب لي

لك قال قلبي: قلت: اطلبوا وجهي. وجهك يارب أطلب

لا تحجب وجهك عني. لا تخيب بسخط عبدك. قد كنت عوني فلا ترفضني ولا تتركني يا إله خلاصي

إن أبي وأمي قد تركاني والرب يضمني

علمني يارب طريقك، واهدني في سبيل مستقيم بسبب أعدائي

لا تسلمني إلى مرام مضايقي، لأنه قد قام علي شهود زور ونافث ظلم

لولا أنني آمنت بأن أرى جود الرب في أرض الأحياء

انتظر الرب. ليتشدد وليتشجع قلبك، وانتظر الرب


(تفسير المزمار)

وحدة المزمور:

يرى بعض الدارسين مثل الأسقف وايزرWeiser أن هذا المزمور يتألف من جزئين [1-6؛ 7-14]، يختلفان عن بعضهما في الأسلوب والمحتوى. الجزء الأول هو أنشودة قوية تعبر عن الثقة في الله التي لا تتزعزع، أما الجزء الثاني فهو صلاة مرثاة لشخص هو في أشد الحاجة إلي العون الإلهي في وسط محنته.

يرى آخرون وجود تناغُم بين الجزئين، فالمرتل الذي يهدده جيش من الأعداء والخصوم حتى وإن تكاتف الكل ضده؛ إنه يعتقد بأن كل عون بشري يختفي لذا يرجع إلى الثقة في الله وحده الذي هو نوره وعونه وحصنه، خاصة في قدس هيكله حيث يطلب عون الله المقدس. في ضيقته يسأل المرتل أن يعيش كل أيام حياته في بيت الله، يختبر عذوبة الله ويعاين جمال هيكله فهو يطلب ما هو أعظم من الحماية من الأعداء، إنه يطلب من الله الوقوف في مدينته والتمتع بوجهه وإدراك فرح بيته.



مناسبته:

يرتبط هذا المزمور باضطهاد شاول لداود؛ أو بالفترة التي هرب فيها داود من وجه ابنه أبشالوم؛ أو تلك التي كان يصارع فيها مع الفلسطينيين، حينما تورط كثيرًا بين أعدائه وكان على وشك أن يُقتل على يد عملاق لو لم يتقدم أبيشاي في اللحظة الحاسمة لينقذه. كان داود الملك في ذلك الحين شيخًا واهنًا، وإن كان قد احتفظ بشجاعته كما كان عليها من قبل، لكنه فقد رشاقته وقوة الشباب الجسدية؛ إذ كان الشعب مهتمًا ألا يفقد ملكه وقائده جاءوا إليه ليحلفوا له، قائلين: "لا تخرج معنا إلي الحرب ولا تطفئ سراج إسرائيل" (2 صم 21: 17)[534].



العنوان:

"لداود، قبل أن يُمسح"

مُسح داود ثلاث مرات (1 صم 16: 13؛ 2 صم 2: 4، 5: 3) المرة الأولى وهو صبي، مُسح خفية في بيت أبيه دون أن يعلم الملك شاول ودون معرفة الشعب، في المرة الثانية مسحه رجال يهوذا علانية، وفي الثالثة أُقيم ملكًا على كل الأسباط. في هذا كان داود رمزًا لابن داود، المسيا المخلص.

1. منذ الأزل مُسح الكلمة مخلصًا وفاديًا للبشر، قبل خلقتنا وسقوطنا.

2. جاء الملك ليملك على شعبه الذين هم خاصته.

3. أعلن ملكوته في كنيسته الممتدة من أقاصي المسكونة إلى أقاصيها.

* هكذا كان عنوان المزمور: "مزمور لداود قبل مسحه"... كانت المسحة آنذاك خاصة فقط بالملك والكاهن. إذ كان هذان الشخصان وحدهما ينالان المسحة المقدسة، وفيهما كان الرمز الذي تحقق في الآتي ملكًا وكاهنًا في نفس الوقت، المسيح الواحد الحامل الوظيفتين. وقد دُعى "المسيح"، لأن الله (اللآب) قد مسحه. لم يُمسح رأسنا فقط، بل ومُسحنا نحن جسده. الآن هو الملك لأنه يقودنا ويرشدنا، وهو الكاهن لأنه يشفع فينا (رو 7: 22). وهو أيضًا الكاهن الوحيد والذبيحة في نفس الوقت، لأن الذبيحة التي قدمها لله الآب لم تكن سوى نفسه...
كلنا نشترك في المسحة وفيه... لهذا فإن المزمور هو صلاة إنسان يتوق إلى هذه الحياة، ويطلب بلجاجة من أجل نعمة الله التي تكمل فينا في النهاية.

القديس أغسطينوس



أقسامه:

1. ثقة في الرب [1-3].

2. حصانة في كنيسة المسيح [4-6].

3. صلاة برجاء [7-13].

4. نصح وإرشاد [14].



1. ثقة في الرب:

شكل هذه القطعة الشعرية [1-6] ومحتواها يشبه ما ورد في المزمور 23. يحمل المرتل نظرة مُخيفة لحشد من الجيوش يتكاتف ضده، لكن هذه النظرة تبتعها رؤية الرب، الذي فيه يجد المرتل النور والخلاص والقوة. الرب نفسه الذي هو الخير المطلق نصيب المرتل، وهو الكل في الكل بالنسبة له، وهو نوره وبهحته، سلامه وخلاصه، قوته وملجأه. يعبر المرتل عن ثقة بلا خوف في الله تُمكنه ليس فقط من مواحهة كل المخاطر التي تحدق به وإنما أيضًا بها يجد عذوبة وبهجة خلال التجارب.

"الرب نوري ومخلصي ممن أخاف؟!

الرب عاضد حياتي ممن أجزع؟!" [1].

لا يستطيع أحد أن ينطق بهذه الكلمات إلا من كفّ عن اتكاله على أصدقائه من بني البشر، علاوة على توقفه عن اعتماده على ذاته، يُقابل هذا اتكاله الكامل وثقته المتناهية في الله دون شروط، في تسليم كامل تحت كل الظروف. هذا الاستقلال عن كل ما هو بشري يجعل الإنسان متحررًا من أي خوف. غير أن هذه الثقة لا توهب إلا لمن يرى في الله كل شيء، يجد فيه غايته القصوى في ظروف حياته العملية الواقعية[535].

يثق المؤمن أن كل سمات الله تُناسب حمايته وتمتعه هو بالمجد الأبدي، لهذا يتحدث عن الله هكذا: "نوري، مخلصي، عاضد حياتي". يبدأ المزمور بالاعلان عن الله بكونه نورنا وخلاصنا وحصن حياتنا بصفة شخصية... فيه يخلص المؤمن شخصيًا من أعدائه الروحيين فتستنير بصيرته الداخلية لمعاينة الأمجاد السماوية.

النور رمز طبيعي لكل ما هو إيجابي، من الحق والصلاح إلى الفرح والبهجة (مز 43: 3؛ إش 5: 20؛ مز 97: 11؛ 36: 9). إذ نتمتع بالله نورًا لنا لا حاجة أن نخشى أحدًا أو شيئًا ما، فالنور يبدد الظلمة: "إن كان الله معنا، فمن علينا؟!" (رو 8: 31).

يقدم لنا المرتل أقول إنسان مختبر، يترنم خلال حياته وخبرته الشخصية مع الله. فقد أحاطت به الجيوش، وبالإيمان غلب وانتصر. حين حاصرته الجيوش من كل جانب فصار كمن هو في وسط ضباب كثيف اكتشف أن "الله نور وليس فيه ظلمة البتة" (1 يو 1: 5)، بنوره عاين النور. إنه يسمع صوت الرب القائل: "أنا هو نور العالم، من يتبعني فلا يمشي في الظلمة، بل يكون له نور الحياة" (يو 8: 12). لن يستطيع الضباب أن يخدعنا، إذ يشرق علينا شمس البر، واهبًا إيانا الشفاء بأجنحته، مخلّصًا إيانا من الشر، لنردد قائلين: "هوذا الله خلاصي فأطمئن ولا أرتعب، لأن ياه يهوه قوتي وترنيمتي، وقد صار لي خلاصًا" (إش 12: 12). كلما تكاتفت قوى الظلمة ضدنا ازداد حنيننا إلى شمس البر، واكتشفنا عمله الخلاصي في حياتنا عمليًا.

يهبني النور الحقيقي نور المعرفة، فاكتشفه مخلصي من خطاياي، واختبره قوتي ضد الشر. هذا هو عمل الله مخلصي في حياتي: يهبني نور معرفة وخلاصًا وقوة!

* أنه ينيرني، فتبددي أيتها الظلمة! إنه يخلصني، فوداعًا يا كل الضعف!
* الله يهبني كلاً من معرفة ذاته (النور) والخلاص، فمن ينتزعني عنه؟!... الرب يطرد كل هجمات عدوي، الخفية والظاهرة، فلا أخاف أحدًا!
* نعم يا إلهي... في غياب نورك ظهور للموت، أو بالحري مجيء للعدم.
* يالشقائي... لقد سادت عليّ الظلمة، ومع أنك أنت النور، إلا أنني حجبت وجهي عنك!
* آه! قل هذه العبارة: "ليكن نور"، عندئذ أستطيع أن أعاين النور، وأهرب من الظلمة؛
أعاين الطريق وأترك طريق الضلال؛

أرى الحق وابتعد عن الباطل؛

انظر الحياة وأهرب من الموت؛

إشرق فيّ يا إلهي، فأنت نوري واستنارتي...

* أيها النور الأسمى، تعجل بالاشراق فيّ أعمى يُريد أن يصير ملكًا لك!
القديس أغسطينوس

وهبنا الله ذاته نورًا فتستنير بصيرتنا الداخلية وتكتشف في الله خلاصها وقوتها:

* هو قوتنا، به ننال النصرة، لأنه يعطينا السلطان أن ندوس على الحيات والعقارب وكل قوات العدو[536].
القديس كيرلس الكبير

* إن كنت عادلاً لا يستطيع أحد أن يخيفك. إن كنت تخاف الله لا تخاف آخر، "الصديق كأسد يثق في نفسه" (راجع أم 28: 1)[537].
الأب قيصروس أسقف آرل

* إلهي... أنت حياتي، أنت خالقي، أنت نوري، أنت مرشدي، أنت حصني ووجودي... ارحمني وأقمني...
يا الله إلهي... أنت نسمات حياتي، أنت صلاحي، قوتي، عزائي في يوم الضيق.

تطلع إلى كثرة أعدائي وخلصني من أيديهم، فإلى أين يهربون من وجهك أولئك الذين يمقتوك؟! أما أنا فبك وفيك أحيا.

* أيها الكلمة... ليتني التصق بك، ففيك يكون حفظي...
أنت خلقتني، فلتتكرم وتعيد خلقتي.

أنا أخطأت، فلتفتقدني،

أنا سقطت، فلتقيمني،

أنا صرت جاهلاً، فلتحكمني،

أنا فقدت البصر، فلتعد ليّ النور!

القديس أغسطينوس

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الكتاب المقدس يقدم لنا الرب بألقاب كثيرة ليشبع كل احتياجاتنا. هو نورنا، وخلاصنا وحصننا كما جاء في هذا المزمور، وهو الخبز النازل من السماء والباب والطريق والحق والحياة الخ...

* لا يدعو داود الله في كل مرة بنفس الاسم أو بذات اللقب؛ لكنه أثناء حربه وعند نصرته يقول: "أحبك يارب يا قوتي، الرب ترسي"؛ وحينما يخلصه الله من محنة وظلمة تحيط به يقول" "الرب نوري ومخلصي". يدعوه حسب الحال الذي عليه في ذلك الوقت، تارة يدعوه خلال محبته الحانية وأخرى خلال عدله، وتارة خلال قضائه البار[538].
القديس يوحنا الذهبي الفم

"عندما يقترب مني الأشرار ليأكلوا لحمي،

الذين يضايقونني وأعدائي هم ضعفوا وسقطوا.

وإن يحاربني عسكر فلن يخاف قلبي.

وإن قام عليّ قتال فبهذا أنا أرجو" [2-3].

اقترب إليه الأشرار ليأكلوا لحمه ويفنوه، وكان أعداؤه قادرين، لكن إلهه القدير هو أقدر منهم. لقد اعتاد الأشرار أن يذبحوا شعب الله ويأكلونهم كخبز (مز 14: 4). هم فاعلوا شر (26: 5)، يؤذون (إر 25: 6) ويضرون (1 صم 26: 21) ويضغطون (مز 44: 2)، يسببون ضيقًا (أم 4: 6) ويغيظون الآخرين (عدد 20: 15)[539]... فما هو موقف القدير؟ أنه لم يمنعهم من ممارسة شرهم قسرًا، إنما بحبه الخلاصي قدم جسده الواهب الحياة مأكلاً، حتى نتقبل نحن أعضاء جسده أن نقدم أجسادنا طعامًا لاخواتنا في البشرية بروح الحب الباذل، يأكلوننا فيتحولون من ذئاب مفترسة إلى حملان وديعة. لهذا يقول ربنا يسوع لتلاميذه: "ها أنا أرسلكم كغنم في وسط ذئاب" (مت 10: 16).

إذًا ليأكل الأشرار لحمي، فإن المسيح الساكن فيّ قادر أن يُحوّل حياتهم الشريرة إلى حياة مقدس... يعرف كيف يصيرني إناءّ يحمل آلامًا من أجل المسيح. لقد كان شاول الطرسوسي مضطهدًا للكنيسة يأكل لحوم أبنائها، لكنه أخيرًا تحول إلى بولس الرسول الذي قيل عنه: "لأني سأريه كم ينبغي أن يتألم من أجل اسمي" (أع 9: 16). أكل الوثنيون لحم القديس مرقس بالإسكندرية حتى سال دمه في شوارعها، فتحولت الإسكندرية إلى مدينة مقدسة تضم كنيسة المسيح الحية.

* "عندما يقترب مني الأشرار ليأكلوا لحمي" [2]. حينما يقترب الأشرار ليتعرفوا عليّ ويهينونني ويتبجحون عليّ لأنني أسعى نحو ما هو أفضل ليس فقط يزعجون نفسي بأسنانهم اللعينة بل وأيضا يضايقونني بالرغبات الضآلة... يعثرون ويسقطون...
* ما معنى "لحمي"؟ إنها غرائز طبيعتي الدنيا. ليثر (الأشرار) ويسعوا ضدي فإنهم إنما يُفنون فيّ ما هو مائت (شهواتي الجسدية)، لكن يبقى فيّ ما لا يستطيع مضطهديّ بلوغه، الهيكل الذي يسكن فيه إلهي.
القديس أغسطينوس

إذًا فليقترب العدو مني وليثر ضدي، فإنه إنما يأكل لحمي، أي خلال حربه ضدي لا يقدر أن يقتحم حياتي الداخلية- ملكوت السموات القائم فيّ- إنما يدخل بيّ إلى الضيق الجسدي أو النفسي إلى حين لأخلع الشهوات الجسدية واجتاز طريق المسيح الضيق

بطهارة ونقاوة.

"وإن يحاربني عسكر (جيش) فلن يخاف قلبي" [3]. ما من قوة بشرية اجتمعت وتآمرت ضد إله القوات (دا 11: 38)، وما من حشود جيوش إلا وصارت في نظر الله كعشب الجندب؛ فإن عناية الله غالبًا ما تحارب ضد الجانب الأقوى (الظالم) (جا 9: 11)[540].

* الإمبراطور إذ تحرسه قواته لا يخاف شيئًا، هكذا يحمي الأموات المائت فلا ينزعج؛ فهل إذا ما حرس غير المائت يخاف الأخير وينزعج؟!
القديس أغسطينوس

الجيوش لا ترهب المؤمن لأنه يحتمي بالله السرمدي غير المائت، يرسل ملائكته لحراسته، بل ويكون هو نفسه ستر له (مز 32: 7).

المؤمن وقد استنار بالروح القدس لا يخشى حتى الشيطان وكل جنده أو جيوشه. إنه يؤمن بالله الذي يبيد قوات الظلمة بصليبه، فلا يكون لعدو الخير ولا للخطية سلطان في قلبه، إذ ينعم بملكوت الله في داخله.



2. حصانةً في كنيسة المسيح:

إذ تكدست الجيوش حول داود وجد في الله وحده الملجأ الأمين... وعوض التفكير في مقاومة الأعداء انسحب قلبه إلى بيت الرب، إلى كنيسة المسيح التي يقيمها روح الله داخله، وإلى العبادة الجماعية المقدسة، حيث يتمتع بعذوبة سكنى الرب في القلب كما في وسط الجماعة. هذا ما عبّر عنه المرتل بقوله:

"واحدة سألت من الرب، وإياها ألتمس:

أن أسكن في بيت الرب سائر أيام حياتي.

لكي أنظر نعيم الرب، واتعاهد هيكله المقدس.

لأنه أخفاني في خيمته في يوم مضراتي؛

سترني في ستر مظلته.

وعلى صخرة رفعني

والآن هوذا قد شرف رأسي على أعدائي.

طفت وذبحت في مظلته ذبيحة التسبيح،

اسبح وأرتل للرب" [4-6].

إن كان هدف عدو الخير أن يثير حولنا القلاقل لكي يشغلنا بها عن إلهنا القدوس، فلا ننعم بالشركة معه، فإن المؤمن الحقيقي - بروح الحكمة - ينسحب قلبه إلى كنيسة الله أو إلى بيت الله معلنًا شوقه أن يوجد مع الله كل أيام حياته.

ماذا أعلن النبي وسط آلامه؟

أ. عدم انحرافه عن هدفه: بناء بيت للرب ليسكن هو أيضًا مع الرب.

ب. تأمله وبهجته في الرب، الحال في هيكله المقدس.

ج. حمايته في خيمة الرب، واختفاءه في ستر مظلته.

د. ارتفاعه على الصخرة.

ه. غلبته على أعدائه.

و. تقديم ذبائح الهتاف والتسبيح.

أ. عدم انحرافه عن هدفه: كانت أشواق داود النبي والملك تتركز في بناء بيت الرب، بقصد السكنى الدائمة بالقلب في المقادس الإلهية، وكما يقول هنا إن رغبته الوحيدة واشتياقه الوحيد الذي يملأ قلبه، وفيه تتجمع كل الاشتياقات الأخرى وتتحقق: أن يعيش في شركة دائمة مع الرب ما أمكن، عندئذ يملك كل شيء[541].

اشتاق إلى السكنى في بيت الرب ليعبده ويتمتع بحمايته. هذا ويلاحظ أن الكهنة أنفسهم لم يقيموا بالفعل في الهيكل؛ لهذا لم يقصد المرتل السكنى بالمفهوم الحرفي، إنما عنى به السكنى الروحية. يُريد أن يسكن قلبه هناك ككاهن روحي لله.

بالرغم من أن المرتل يبدأ مزموره بالاعلان عن علاقته الشخصية مع الله بكونه نوره ومخلصه وحصن حياته، نراه هنا يعرفه من خلال الجماعة (بيت الرب)، فهو محب جدًا لبيت الرب وللعبادة العامة الليتروجية[542]. وكأنه لا انفصال بين حياة الإنسان الخاصة مع الله وعلاقته به خلال الجماعة المقدسة.

يشتهي المرتل أن يسكن في بيت الرب سائر أيام (وليس ليالي) حياته. لقد وجد المرتل في الرب نوره الذي به تنقشع ظلمة ليله، وكما يقول القديس أغسطينوس: [إن حياة المرتل خاليه من الليالي، ولا مكان للظلمة فيها].

* ها أنتم ترون ما أحبه أنا... إنه لمشهد عجيب أن أُعاين جمال الرب نفسه!
عندما ينتهي ليل (المرتل) يشتاق أن يستريح إلى الأبد في نور الله. فلا يكون ليلنا بعد، إذ يشرق الصبح بفجره علينا.

القديس أغسطينوس

يُلاحظ أن المرتل يدعو الكنيسة هنا بأسماء وألقاب متعددة، كل لقب له هدفه:

- بيت الله: يشير إلى سكنى الله وسط شعبه، وسكنى المؤمن مع الله.

- هيكله المقدس: يشير إلى القداسة كجمال القدوس، بها ننعم برؤية الله، والنظر إلى نعيمه.

- خيمته: يشاركنا تغربنا في العالم، له خيمته، حيث يقيم معنا، ويرحل معنا، حتى يحملنا إلى سمواته... كان مجد الرب يحل في الخيمة المقدسة!

- مظلته: يستر علينا من حرّ التجارب.

- صخرة: يرفعنا فيه فلا تتسلل الحية إلينا، حيث لا تستطيع الزحف الصخرة الملساء.

ب تأمله وبهجته في الرب الحّال في هيكله المقدس:

"لكي أنظر نعيم الرب، واتعاهد هيكله المقدس" [4]. الله القدوس يسكن في هيكله المقدس، يفيض على كنيسته بالحياة المقدسة، لينعم المؤمن بالقدسة التي بدونها لا يقدر أحد أن يُعاين الله.

النفس التي تتقدس للرب تحسب هيكلاً له، عذراء عفيفة للمسيح. وكما يقول القديس جيروم: [طوبى للنفس؛ طوبى للعذراء التي لا يوجد في قلبها موضع للحب سوى حب المسيح، لأنه في ذاته هو الحكمة والطهارة والصبر والعدل وكل فضلية أخرى].

ج. حمايته في خيمة الرب:

"لأنه أخفاني في خيمته في يوم مضراتي؛

سترني في ستر مظلته".

يرى القديس أغسطينوس خيمة الرب أو مظلته تشير إلى تجسده، حيث أخلى ذاته وأخفى لاهوته حتى يُتمم عمل الخلاص بالصليب فنختفي فيه من كل سهام العدو ونستتر به من عار الخطية.

* لأنه أخفاني في تدبير كلمته المتجسد خلال التجربة التي تعرضت لها حياتي المائتة. سترتني في ستر مظلته، حماني منذ أن ملك في قلبي الإيمان الذي يُبررني (رو 10: 10).
على صخرة رفعني، لكي يقودني إلى الخلاص بالمعرفة المكشوفة التي لإيماني؛ فقد جعل إيماني كحصن منيع متأسس على قوته.

القديس أغسطينوس

مظلة المسيح التي يُخبئني فيه هي جسده القائم من الأموات، الذي فيه أحتمي من طبيعتي الفاسدة بالسكنى فيه. مكتوب: "في ذلك اليوم أقيم مظله داود الساقطة" (عا 9: 11).

* المظلة هنا تشير إلى الجسد المقدس المكرم، هيكل الله، المولود من العذراء، الذي يسكن فيه المؤمن كرفيق لجسد الرب... فقد أخذ لنفسه طبيعة كل جسد، وإذ صار بهذه الطريقة الكرمة الحقيقية جمع في نفسه عنصر كل فرع[543].
القديس هيلارى أسقف بواتييه

يوجد ارتباط بين الخيمة والمظلة، حيث كلاهما يشيران إلى مرافقة الرب لنا أثناء تغربنا في هذا العالم؛ الأولي كانت تُنصب وسط المحلة أثناء رحلات الشعب في البرية، وفيها يحل مجد الرب... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). وكأنه يسكن وسط شعبه أثناء السلام ليشرق بمجده وببهائه عليهم. أما المظلة الملوكية فترتفع وسط محلة الجيش وحولها جبابرة البأس يحرسون طول الوقت، وكأن المؤمن يعيش في حياته الملك المحارب وجنوده السمائيين. وكأن المسيح حاّل في حياتنا تحت كل الظروف ليهبنا مجده ونصرته.

الخيمة تتحدث عن الذبيحة حيث يحمي الدم المقدس المؤمنين من الخطية، والمظلة تتحدث عن ضرورة الجهاد الروحي بقيادة المخلص نفسه. كأن الخيمة والمظلة يمثلان وحدة الإيمان والجهاد أو الأعمال في حياتنا الجديدة في المسيح يسوع موضوع إيماننا وقائد جهادنا الروحي.

د. ارتفاعه على الصخرة:

ما هي الصخرة التي يرفعني عليها الرب إلا الإيمان الحيّ به، الذي هو أساس الكنيسة، وعليه وتُبني النفوس المقدسة كهيكل مقدس للرب لا تقدر العواصف أن تهز أساساته!

لا تستطيع الحيه أن تزحف على الصخرة الملساء، وهكذا إذ يرفعنا مسيحنا فيه يستحيل على العدو القديم أن يتسلل إلينا.

كثيرًا ما تحدث النبي عن السيد المسيح كصخرة (مز 18)، الصخرة التي تفيض ماء الحكمة التي تَروي النفس وتسندها في غربتها وفي جهادها المستمر الروحي.

ه غلبته على أعدائه:

"والآن هوذا قد شرف رأسي على أعدائي" [6].

إذ يجد المؤمن حماه في مظلة الرب الملوكية يرتفع رأسه على أعدائه، في ثقة من النصرة الأكيدة التي ينالها تحت قيادة الرب.

في بيت الله لا نحتمي فقط من الأعداء الأشرار، بل وننال كرامة، إذ ترتفع رؤوسنا ونقدم ذبائح التهليل والتسبيح. فيه تتيقن قلوبنا من النصرة الكاملة، لذا نرفع رؤوسنا بفرح واعتزاز مع أننا نرى نفوسنا وقد أحاط بها الأعداء من كل جانب يهددوننا.

كان يُنظر إلى الهيكل كموضع أمان (2 مل 11: 3؛ نح 6: 10)، سر أمانه ليس حصونه وحوائطه وإنما الله الساكن فيه، والشركة معه التي تُختبر داخله.

و. تقديم ذبائح الهتاف والتسبيح:

في بيت الرب تتهلل نفوسنا بالله الذي نتعرف عليه وننظر بهاء قداسته، نحتمي به وننعم بنصرته، نقترب إليه ونختبر معيته في حياتنا... تتحول أعماقنا إلى قيثارة روحية يعزف عليها روح الله تسابيح الحمد والشكر، رافعين رؤوسنا على العدو الشرير والمقاوم!

* نقدم ذبيحة التهليل، ذبيحة السرور، ذبيحة الفرح، ذبيحة الشكر، التي لا يُعبر عنها. لكن أين نُقدمها؟ في خيمته، في الكنيسة المقدسة... هنا توجد اشارة إلى مجد الكنيسة.
بالنسبة للحاضر يلزمنا أن نئن، يجب علينا أن نُصلي. الأنين هو نصيب البائسين، الصلاة هي نصيب المحتاجين. سوف تمضي الصلاة ليحل محلها التسبيح، ينتهي البكاء ويحل محله الفرح.

القديس أغسطينوس



3. صلاة برجاء:

"استمع يارب صوتي الذي به دعوتك.

ارحمني واستجب لي.

فإن لك قال قلبي:

طلبت وجهك،

ولوجهك يارب التمس.

لا تصرف وجهك عني،

ولا تمل بالرجز على عبدك" [7-9].

أحاط بالمرتل أعداءه فصار يُصلي طالبًا العون من الله نوره، لكنه إذ يُعاين النور الإلهي ينسى أعداءه، سائلاً الله أن يشرق عليه، فينعم بوجه الله.

في النص العبرى: "قلت: اطلبوا وجهي"، ربما تذكّر داود النبي الدعوة المملؤة نعمة أو الوعد الإلهي أننا إن طلبنا وجهه لا يحجبه عنا.

بينما كان المرتل معذبًا بالتفكير في الضيق الذي جلبه على نفسه خلال الخطية، تشرق في مخيلته ذكريات كنور وسط الظلام، ويستدعى في ذاكرته تلك العهود التقليدية التي يلتزم بها وكلمة الله التي تعبّر عن الوصية والوعد في آن واحد: "اطلبوا وجهي"[544].

عوض الارتباك بالأعداء وتهديداتهم ينشغل المرتل بوصية الله ووعده، يوصينا أن نطلب وجهه، وتحسب هذه الوصية وعدًا، إذ يحقق لنا طلبتنا فننعم بالتطلع إليه.

حجب وجه الله أو اخفاؤه يعني رفضه كقاضي أن يستمع إلى قضيتنا وأن يحكم بخلاصنا. ربما يُريد المرتل القول: إنني أعرف أن خطاياي كثيرة التي تحجب وجهه عني، فأنت ترفضني بسبب عدلك وبرك، لكنك إله رحوم قادر أن تخلص.

* حجب وجهه بسبب خطايانا لا يعني انصرافه عنا في غضب؛ فقد يحوّل وجهه عن خطاياك لكنه لا يحوله عنك شخصيًا.
القديس أغسطينوس

أننا نصرخ مع المرتل ألا يعود فيذكر خطايانا بل يذكر نفوسنا الخاطئة لتتقبل بالتوبة رحمته، وإلا يحجب وجهه عنا بل عن خطايانا فنرجع إليه، نراه ويرانا! لذا يكمل المرتل صلاته، قائلاً: "لا ترفضني يا الله مخلصي" [9].

* "لا ترفضني يا الله مخلصي" [9]. لا تستخف بجسارة مائت يطلب الأبدي، لأنك أنت يا الله تشفي الجرح الذي تركته خطيتي.
القديس أغسطينوس

إذ يُصلي المرتل يشعر بالعزاء، وأنه مرفوع بالنعمة الإلهية مع أن أصدقاءه قد أداروا له ظهورهم، إذ حسبوا ضيقته تأديبًا من قبل الله؛ وربما أبوه وأمه أيضًا قد تركاه لنفس السبب، لكنه يوجد نور يبهجه في عزلته وهو أن الله يقبله ويضمه إلى صدره ويحتضنه، كإبن له يحمله على ذراعيه. محبة الله تسمو فوق كل محبة، حتى فوق المحبة الوالدية.

"فإن أبي وأمي قد تركاني، وأما الرب فقبلني" [10]

من الصعب أن نتصور ترك الأب والأم لطفلهما، لكنه حتى أن ضاقت بهم الظروف وتخليا عنه، يوجد الآب السماوي الذي يضمه إليه ويرفعه فوق الأعداء، ويدخل به إلى الأحضان الأبدية. لقد تركت هاجر ابنها تحت أحد الأشجار ليموت من العطش ومضت وجلست مقابله من بعيد، أما الرب فسمع لأنين الغلام وفتح عن عيني الأم لتبصر ماء بئر يروي الغلام. هكذا أيضًا ترك الأبوان موسى في النهر والرب ضمه إذ أرسل اليه ابنه فرعون تتبناه.

لم نسمع عن داود النبي أن والديه غضبا عليه، لكنه ربما قصد عجزهما عن تقديم معونة له في وقت الشدة. يرى البعض أن الأب والأم هنا يمثلان الأصدقاء الأعزاء والقريبين منه الذين سحبوا ثقتهم فيه وتقديرهم له[545].

* "فإن أبي وأمي قد تركاني" [10]. لأن مملكة هذا العالم، ومدينة هذا العالم، اللتان قدمتا لي ميلادي الزمني المائت قد خذلاني، لأني طلبتك واستخففت بما يقدمانه لي. إنهما يعجزان عن تقديم ما اطلبه، وأما الرب فقبلني. الرب القادر أن يهبني ذاته يهتم بي ويرعاني...
* لقد جعل المتكلم هنا من نفسه طفلاً صغيرًا أمام الله، فقد اختاره ليكون له أبًا وأمًا. إنه أبوه لأنه خلقه، وهو أمه لأنه يهتم به ويُربيه ويقوته ويرضعه ويقول بتمريضه.
لنا أب آخر وأم أخرى... فحينما كنا عديمي الإيمان، كان الشيطان أبانا (يو 8: 44)، وكانت لنا أم أخرى (هي بابل)... لكننا تعرفنا على أب هو الله... وأم هي أورشليم السماوية، الكنيسة المقدسة التي جزء منها لا يزال متغربًا على الأرض...

بعيدًا عن الأب والأم، أي بعيدًا عن الشيطان وبابل، يستقبلنا الله كأولاده ليعزينا بأمور لا تفنى، ويباركنا بالباقيات...

المسيح رأسنا هو في السماء؛ ولا يزال أعداؤنا قادرين على الهياج ضدنا، إذ لم نرتفع بعد عن متناول أيديهم، لكن رأسنا هناك في السماء فعلاً، وهو يقول: "شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟‍" )أع 9: 4)، موضحًا أنه هو فينا نحن الذين أسفل (على الأرض)، لكننا في نفس الوقت نحن فيه في العلا، إذ "يرفع رأسي على أعدائي" [6].

القديس أغسطينوس

إذ يعلن المرتل عجز والديه عن مساندته أو حتى ملازمته أثنا الضيق، وجد في الله الأبوة السماوية الحانية القادرة أن تخلصه من أعدائه، وترد له كرامته فيرفع رأسه عليهم. أنه مازال على الأرض، يدخل دومًا في صراع مع العدو الروحي، وهو في هذا لا يحتاج إلى خريطة نرشده في معركته بل إلى قائد يمسك بيده، ويخيفه فيه، ويجتاز به أرض المعركة، واهبًا إياه روح النصرة، لذا يقول: "اهدني في سبيل مستقيم من أجل أعدائي" [11]. يتقدم السيد المسيح كمرشد وطريق في نفس الوقت، يسند المؤمن ليجتاز الطريق الملوكي الضيق، طريق الصليب، بلا توقف ولا تراجع.

* اهدني الاستقامة في الطريق الضيق، فإنه لا يكفي أن أبدأ، إذ لا يكف الأعداء عن مضايقتي حتى أبلغ غايتي.
"لأنه قد قام عليّ شهود ظلمة، كذب الظلم لذاته" [12].

لا يقدم الظلم التهنئة لنفسه إلا بتحقيق البطلان الذي له، لكنه أخفق في إزعاجي، لذلك صار لي الوعد بمكافأة أعظم في السماء: "وأنا أؤمن إني أُعاين خيرات الرب في أرض الأحياء" [13].

القديس أغسطينوس

وجد الظلم له شهود كثيرين ووجدت أنا بالإيمان الله أبًا وأمًا وسندًا لي. ينتهي الظلم ببلوغ غايته وهو البطلان والدمار، وأبلغ أنا غايتي إذ أُعاين ما وعدني به الله من بركات في السماء "أرض الأحياء". يتكئ الأشرار على الظلم فينهارون معه، واتكئ أنا على الإيمان فارتفع به إلى أرض الأحياء.

ما هي أرض الأحياء؟

* لست أظن أن النبي يدعو هذه الأرض أرض الأحياء، إذ يرى أنها لا تُعطي إلا الأمور الزائلة، وينحل فيها كل ما يصدر عنها. لكنه عنى بأرض الأحياء تلك التي لا يقترب منها موت ولا يطأها سبيل الخطاه ولا موطئ للشر فيها[546].
القديس غريغوريوس أسقف نيصص

* بالمعمودية صرنا نحن أرض أحياء لا أرض أموات، أعني الفضائل لا الرذائل. لكن يكون هذا صحيحًا إن كنا لا نعود إلى حمأة الرذائل بعد نوالنا المعمودية، وإن كنا بعدما نصير أرض الأحياء لا يكون للدم موضع فينا، أي أعمال الشر المُلبس الموت[547].
الأب قيصروس أسقف آرل

* يليق بهذه الأرض أن تُشتهى لا بشكل أرض بلا حياة، بل بطريقة سماوية، وبقلب يقظ، لأنها الأرض التي إلتهب حب المرتل شوقًا إليها، فرنَّم في فرح. وإذ يقول في مزمور آخر: "أنت هو رجائي، وحظي في أرض الأحياء" (مز 142: 6) [548].
القديس أغسطينوس

* لأن أرض الأحياء هناك، فمن المؤكد أن أرض الموتى هنا‍‍!
* لأن الخيرات هناك، حيث الحياة الأبدية، الحياة التي بلا خطية. يقول في موضع آخر: "نمتلئ من خيرات بيتك"[549].
القديس أمبروسيس



4. نصح وإرشاد:

"اصطبر للرب، تقوَّ، وليتشدَّد قلبك، وانتظر الرب" [14].

إذ يعلمنا المرتل حياة الصلاة مع التوبة لننعم بالغلبة على الأعداء والتمتع بجمال هيكل الرب ورؤية وجه الرب نفسه، يعود فيؤكد الحاجة إلى الثقة في الله، فنصطبر للرب ونترقب عمله فينا، ننتظره بإيمان بقوة اليقين، متأكدين من أبوّته الحانية الواهبة كل بركة سماوية.

* تحمّل برجولة النيران التي تُطهر شهواتك، وفي شجاعة تلك التي تُطهر قلبك. لا تظن أن ما لم تنله بعد لا تحصل عليه. ولا تخور يائسًا مادمت تتأمل الكلمات: "انتظر الرب".
القديس أغسطينوس



أبي وأمي قد تركاني

* إذ يحشد العدو جيوشه ضدي أشعر بالظلمة،
يفارقني الأحباء والأصدقاء،

أبي وأمي يتركاني،

أما أنت فمخلصي، سندي، ونصرتي.

* بك استنير فلا أخاف قوات الظلمة!
في بيتك أسكن فتستريح نفسي!

هيكل قدسك يرفعني إلى سمواتك!

وفي خيمتك أسبح متهللاً مع ملائكتك وقديسيك.

* طلبت وجهك فلا تحجبه عني!
احجبه عن خطاياي أما نفسي فتنتظرك!

* يتحصّن الأشرار بالظلم الذي لن يدوم!
واتمتع بك أنت مكافأتي ومجدي!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://allkingraohany.forumarabia.com
 
عند شعورك بالذنب
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
غرفة الاسماء وعلم الاحرف :: الكشف الروحانى :: مقتنايات الشيخ الروحانى :: القسم السليمانى-
انتقل الى: